سياسة

بين لبنان وأُمّة “الحزب”… هل مِن تسوية؟

كتب مصطفى علوش في “نداء الوطن”:

«ما نحن عليه الآن في إيران ولبنان وفلسطين واليمن هو من بركات هذا الإمام العظيم وتوجيهاته وروحه وإلهاماته» (إبراهيم أمين السيد).

«إننا أبناء أمّة «حزب الله» التي نصر الله طليعتها في إيران، وأسّست من جديد نواة دولة الإسلام المركزية في العالم… نلتزم بأوامر قيادة واحدة حكيمة وعادلة تتمثّل بالوليّ الفقيه الجامع الشرائط، وتتجسّد حاضراً بالإمام المسدِّد آية الله العظمى روح الله الموسوي الخميني دام ظلّه… مفجّر ثورة المسلمين وباعث نهضتهم المجيدة. وعلى هذا الأساس فنحن في لبنان لسنا حزباً تنظيمياً مغلقاً، ولسنا إطاراً سياسيّاً ضيقاً… بل نحن أمّة ترتبط مع المسلمين في كافة أنحاء العالم برباط عقائدي وسياسي متين هو الإسلام».

هذا كان جزءاً من البيان التأسيسي لـ»حزب ولاية الفقيه» سنة 1985، وهو حتى اليوم أساس العروة الوثقى التي تشبك الملتزمين المؤمنين باجتهاد ولاية الفقيه، حسب منهج الإمام الخميني. سأتجاوز كل المعوقات المذهبية التي تمنع الأهلية عن مشروع ولاية الفقيه، للتحدث عن المسلمين بشكل عام. فالفكرة ذاتها تنطلق من فرضية الاثني عشرية المهدوية، وهي ركن أساسي من أركان الخلاف الفقهي والماورائي بين المسلمين بشكل عام. باختصار، ورغم قناعتي أنّ الخميني ربما سعى لضم الجميع تحت لوائه من أجل التوحيد، لكن الاستناد إلى فكرة ماورائية مختلف عليها أصلاً فتح الباب لتعميق الفرقة، بغض النظر عن أحقية الاجتهاد. وحتى أنّ الشيخ نعيم قاسم في كتابه عن «حزب الله» قال إنّ مسألة الاختلاف الفقهي تم تجاوزها اختصاراً لجدل لن ينتهي بخصوص العقيدة التي يسير على أساسها محازبو الولي الفقيه.

لنركّز هنا على النهج السياسي والرؤيا الثورية، فـ»حزب ولاية الفقيه» يعتبر أنّ هدفه الأسمى هو إعادة بناء دولة تسعى للأممية، عمادها الدين الإسلامي، بمنظور ماورائي، يفترض أنّ هذا الطرح هو وصية إلهية لا يمكن الحوار حولها ولا التشكيك بمدى صحتها ولا النقاش حول مدى أهليتها للحكم والإدارة في العصر الحالي. وعندما يقول البيان «أسست من جديد»، فهي دعوة أصولية صريحة لاستحضار ماضٍ «مضيء»، بمواجهة حاضر مسيء. وبهذا الطرح لا يختلف الحزب مع دعوة «داعش» و»النصرة» في إقامة دولة إسلامية، كما أنه لا يختلف عن كل الدعوات الأصولية، بغض النظر عن وجهتها الدينية. كما أنّ التشابه يظهر في قناعة «الحزب» بأنه ينفّذ «الوعد الإلهي» وأنّ الملائكة مشاركة في المعركة، حسب قول السيد حسن نصر الله عن المجاهدين في حرب تموز 2006. لكن الافتراق يأتي في فرضية المهدوية ووكالتها في شخص الولي الفقيه، مع العلم أنّ قادة «داعش» المتعاقبين كانوا هم أيضاً مقتنعين بأنهم موكلون من قبل الله بمهمتهم. من هنا، فإنّ تجاوز كل الحدود المعقولة بالقتل والإرهاب والدمار يصبح ممكناً، لا بل مقدساً، في سبيل إتمام المهمة الإلهية.

ماذا يعني كل ما سبق؟ ما يعنيه هو أنّ من يقول، عن ضعف حيلة أو ضعف في الإدراك، بأنّ «الحزب» قد تغير وأصبح لبنانياً وبالنهاية هذا البلد عزيز على بيئته ولولا ذلك لما استشهد الآلاف من أتباعه دفاعاً عنه. لكن ما يتغافل عنه هؤلاء، أو ربما يغفلونه، هو أنّ ملايين المجاهدين الشيوعيين استشهدوا في العالم، ليس دفاعاً عن فكرة وطن ما أو دولة، بل عن فكرة أممية، وهي أيضاً ماورائية رغم إلحادها، لا يهمها من البلد والشعب إلا كونه أداة لفكرة لا تخدم بالضرورة لا البلد ولا شعبه. وهذا بالضبط ما ردده نصر الله في عدة من خطاباته الكثيرة بأنّه أولاً يتبع توجيهات «حسين هذا الزمان» أي خامنئي، وأنّ الحدود الدولية لم يعد لها أي أهمية في معرض تسويغه التوسع في سوريا وما بعدها، وأنّه قادر على حكم بلدان يفوق حجمها حجم لبنان بعشرات المرات. أي أنّ الفكرة الأممية أو الإمبراطورية تتفوق على فكرة الوطن، كما أنّ فكرة الأمة تتفوق على فكرة الشعب، أمّا البشر والحجر فهم مجرد ضحايا جانبية لتحقيق الأهداف الأسمى، والمجاهدون في سبيل الفكرة يحظون برتبة الاستشهاد، وهذا كله طبعاً بتوجيه إلهي.

سأحاول في ما يلي طرح الإشكال الوطني باختصار وبشكل موضوعي، من دون اتهام ألقيه حول الصح والخطأ والخير والشر، فكلها نظريات مختلف عليها. يعني أنني، وبغض النظر عن رأيي بالمنظومة الفكرية التي يقاتل عنها «الحزب»، أريد شرح معضلة الاستمرار بوجوده مع مؤسساته العسكرية والمدنية، والأهم التربوية. فبالنسبة للوجود العسكري الفاقع أو المستتر، روّج نصر الله إلى مثال الحوثي والحشد الشعبي والزينبيين، وغيرهم من الميليشيات في المنطقة لكونها نموذجاً يحتذى به، يشبه وضع الحرس الثوري في إيران بوجود جيش إيراني رسمي.

ما تجاهله نصر الله هو كون القائد الأعلى في إيران واحد هو رأس الدولة الحقيقي، أي الولي الفقيه، الذي يسميه الخميني في كتابه «الحكومة». لكن الأخطر هو الثقافة التي ينشرها «الحزب» في الحوزات والمدارس التابعة له في مبدأ التبعية المطلقة لقيادة سياسية ودينية واحدة هي الولي الفقيه، وبالتالي، فإنّ التباعد يزداد ويتضاعف بين الأجيال، طالما أنّ مدارس المهدي ومثيلاتها تخرج أولاداً يمجدون الموت تحت لواء الشهادة بتوجيه من الولي الفقيه، فيما آخرون يعشقون الحياة.

من هنا، وعلى الرغم من الحماسة البالغة للاتفاقات الإقليمية والدولية المستجدة، والبروبغندا المكثفة لدفع معارضي الحزب للاستسلام، يبقى التحدي الأساسي في السلطة والثقافة قائماً وإشكالياً خطيراً أمام استقرار لبنان، حتى وإن حصلت تسوية ما على شاكلة الدوحة، ينتخب من خلالها رئيس جديد للجمهورية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى