سياسة

عبد الهادي محفوظ معادلة واشنطن في الرئاسة اللبنانية وحسابات اللاعبين

إذا كان الزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونغ صاحب النظرية التي تقول ’’لا بناء بدون تدمير‘‘ فإن بعض الطبقة السياسية اللبنانية تنتج معادلة ’’التدمير للتدمير‘‘..
فما نشهده حاليا هو المزيد من تآكل مؤسسات الدولة والإنهيار على كل المستويات الإقتصادية والمالية والإجتماعية والأمنية والصحية. إضافة إلى تغليب منطق التنازع على الوفاق كما شهدنا في الإنتخابات الرئاسية التي جرت إذ رُفعت من حدة الخلافات كما من منسوب فعالية الخارج الدولي والإقليمي.
الإنقسام الحاد حول الرئيس لا يؤدي إلا إلى محاولة كل طرف كسر الآخر. والخروج من ذلك يفترض عمليا أما التوافق على واحد من الإثنين سليمان فرنجية وجهاد أزعور وهذا ’’شبه مستحيل‘‘ في الظروف الراهنة ما لم تتم مساومات بين الخارج الدولي والاقليمي أو تجنب نظرية ’’الأضداد‘‘ التي يمثلها الإثنان بالتوافق على ’’مرشح ثالث‘‘.
’’المرشح الثالث‘‘ هو صناعة ’’الخارج الدولي والاقليمي‘‘ وبمشاركة جزئية من الداخل اللبناني. هذا وكان كل من المرشحين سليمان فرنجية وجهاد أزعور قد التزما بجانب المطالب الدولية المرتبطة بسياسات الإصلاح والتطوير وطروحات الصندوق الدولي مع تمايز في العلاقة مع المحيط وموقع حزب الله.
انحسار الدور الفرنسي مرتقب في المرحلة المقبلة لصالح الفاعل الرئيسي الأميركي. من هنا يتراجع الدور الفرنسي إلى ’’مرحلة استطلاع المواقف والإستكشاف بعد وصول الصيغة التي اقترحها بثنائية سليمان فرنجية ونواف سلام إلى طريق مسدود. وهذا يحتم على اللبنانيين بما فيه الطبقة السياسية انتظار ’’الخارج الدولي‘‘ وما يقرره… ولكن إلى الآن هذا ’’الخارج‘‘ لم يتفق على ’’مرشح رئاسي‘‘ كما أن اتفاقه يرتبط بأمور أخرى هي أهم بالنسبة لواشنطن من موضوع الرئاسة اللبنانية. وهكذا هذه ’’الرئاسة‘‘ موصولة بـ’’التفاهمات الأميركية – الايرانية‘‘ حول الملف النووي الذي يشهد بدايات حلحلة جديدة ذلك أن الإدارة الأميركية مقتنعة بأن ايران قادرة في أي وقت أن تُصنّع قنبلة نووية إذا لم تكن تمتلكها بالفعل. ولذلك هي تريد احتواء الأمر بالديبلوماسية قطعا للطريق على أي خيارات عسكرية ليست سهلة.
لا شك أن ملامح ’’التسويات العامة‘‘ في الاقليم بدأت ترتسم. إذ أن هناك تلاقيا بين واشنطن والرياض على مخرج الدولتين بالنسبة للقضية الفلسطينية. كما هناك اعتراض على توسيع المستوطنات الاسرائيلية من العاصمتين. إضافة إلى الدور المتنامي لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الذي يعطي الأولوية لحساب الأمن والإستقرار في المنطقة وإلى تغليب الإعتبارات الإنمائية الشاملة على قاعدة التعاون مع ايران وسوريا وتطويق الإرهاب ومنظمات التطرف الإسلامي. واستطرادا هناك افتراق بين السعودية وايران في مقاربة ظاهرة ’’الأخوان المسلمين‘‘ التي تشكّـل نقطة تقاطع أساسية بين الرياض ودمشق والتنسيق بينهما فيما يخص الملف اللبناني بما فيه تحديدا موضوع الرئاسة اللبنانية.
الكل ينتظر حاليا ماذا يمكن أن يحقق ’’مفوض الضرورة‘‘ الفرنسي جان ايف لودريان بعد أن اكتنف الغموض ما انتهت إليه القمة الفرنسية التي جمعت الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون وولي العهد السعودي محمد بن سلمان. والواضح أن هذه القمة هي المدخل لدور سعودي في لبنان وانتخاباته بعد أن اصطدمت الحسابات الفرنسية بالواقع اللبناني وبحسابات القوى السياسية المسيحية الممثلة بالقوات اللبنانية والتيار العوني وحزب الكتائب. لكن ’’تفويض الضرورة‘‘ لفرنسا كان في الحسابات الأميركية الفعلية لتقطيع الوقت. وهذا يعني أن واشنطن التي تعتبر نفسها الطرف الأساسي المعني بترتيب ’’التسويات العامة‘‘ في المنطقة لن تترك لفرنسا والرياض وطهران وحدهم أن ’’يتحكموا‘‘ بالحل اللبناني المرتقب لأزمة الرئاسة اللبنانية وما يرتبط بها من مقاربات إصلاحية ومالية ومن مصالح نفطية وغازية ومشاريع استثمارية. أي أن لحظة ’’التدخل الأميركي‘‘ في موضوع الرئاسة اللبنانية وغيره أصبح جاهزا ولا يُستبعد في هذا المجال أن يكون ذلك مدخلا لمعرفة ايجابيات العلاقة السعودية – السورية على الواقع اللبناني ومواضيع أخرى تتصل بالمنطقة والصراع العربي الاسرائيلي.
أيا يكن الأمر استفادت واشنطن من ظاهرة الإنقسام العمودي والطوائفي في موضوع الرئاسة اللبنانية فعطّـلت إمكانية الحوار من دون الإستعانة بها بعد أن عُرفت أزمة حدود ’’تفويض الضرورة‘‘ الفرنسي وبعد أن تشكّـلت ’’معادلة الضدين‘‘ بين سليمان فرنجية وجهاد أزعور خصوصا وأنه إذا سُئلت القوى السياسية اللبنانية او دول المنطقة من تختار باريس أو واشنطن فالجواب الأكيد هو واشنطن. والأكيد أيضا أن العاصمة الأميركية تعرف سلفا أنها ستستعين حتى بـقوى اقليمية على انتزاع موافقة حزب الله على ’’مرشح التسوية‘‘ أيا كان. فقائد الجيش العماد جوزيف عون وحده الذي نجح في إبقاء المؤسسة العسكرية خارج ’’تآكل الدولة‘‘ هو في حسابات أكثر من لاعب دولي واقليمي ومحلي. وكذلك ثمة خطوط لآخرين منهم زياد بارود ونعمت افرام وفريد الخازن وغيرهم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى